هل مطعمك يربح من تطبيقات التوصيل فعلًا؟ كيف تحسب الربح الحقيقي من كل طلب؟

هناك شيء غريب يحدث في كثير من المطاعم اليوم. عدد الطلبات يرتفع، المبيعات تبدو ممتازة، والحسابات على تطبيقات التوصيل تعمل طوال اليوم، ومع ذلك لا يشعر صاحب المطعم أن الأرباح تتحسن بنفس السرعة. في بعض الحالات، قد يمر شهر كامل يحقق فيه المطعم رقم مبيعات كبيرًا، ثم يكتشف عند مراجعة الحسابات أن ما بقي فعليًا أقل بكثير مما كان يتوقع.

المشكلة أن صاحب المطعم غالبًا ينظر إلى الرقم الأسهل رؤيته: قيمة الطلب. عندما يظهر أمامه طلب بقيمة 20 دينارًا، يبدو الأمر وكأنه 20 دينارًا دخلت إلى المطعم. لكن الطلب لم يبدأ تكلفته عند تحضير الطعام، ولم تنتهِ تكلفته عند خروجه من المطبخ. هناك تكلفة للمواد، وأخرى للتغليف، وربما عمولة للمنصة، وخصم حصل عليه العميل، وتكلفة توصيل يتحمل المطعم جزءًا منها أو كلها. وعندما تجمع هذه التفاصيل، تكتشف أن الفرق بين “قيمة الطلب” و”المال الذي يساهم فعلًا في ربح المطعم” يمكن أن يكون كبيرًا جدًا.

وهنا تحديدًا تبدأ المشكلة: المطعم قد يكون مشغولًا جدًا، لكنه ليس مربحًا بالقدر الذي يعتقده.

الطلب الذي يبدو مربحًا قد لا يكون كذلك

تخيل أن عميلًا طلب وجبة بقيمة 20 دينارًا. تكلفة الطعام المستخدم في الطلب 7 دنانير، والتغليف دينار، والعمولة 4 دنانير، وهناك خصم بقيمة دينارين حصل عليه العميل، بينما يتحمل المطعم دينارين من تكلفة التوصيل.

على الورق، حصل المطعم على طلب بقيمة 20 دينارًا. لكن بعد هذه التكاليف المباشرة، لم يتبقَّ سوى 4 دنانير.

وهذه الـ4 دنانير ليست بالضرورة صافي الربح الذي يدخل جيب صاحب المطعم؛ فما زالت هناك رواتب، وإيجار، وكهرباء، ومياه، وصيانة، وتسويق ومصاريف تشغيلية أخرى. بمعنى آخر، الطلب الذي يبدو من الخارج بقيمة 20 دينارًا قد يكون مساهمته الفعلية في تغطية مصاريف المطعم وربحيته محدودة جدًا.

المشكلة ليست أن هذا الطلب سيئ بالضرورة. قد يكون مربحًا، وقد يكون جزءًا من استراتيجية تسويقية لجذب عميل جديد. المشكلة الحقيقية هي أن صاحب المطعم قد لا يعرف هذه الأرقام أصلًا.

وهنا يجب أن يتغير السؤال من “كم كانت مبيعاتنا اليوم؟” إلى “كم ساهمت مبيعات اليوم في أرباحنا؟”

العمولة هي الجزء الأسهل في الحساب، وليست الجزء الوحيد

عندما يتحدث أصحاب المطاعم عن تطبيقات التوصيل، غالبًا ما يبدأ النقاش وينتهي عند العمولة. منصة تأخذ نسبة معينة، وأخرى تأخذ نسبة مختلفة، وبالتالي يبدو القرار بسيطًا: اختر المنصة ذات العمولة الأقل.

لكن اقتصاديات الطلب أكثر تعقيدًا من ذلك.

لو كانت منصة تأخذ عمولة أقل، لكنها تجلب طلبات بقيمة منخفضة، بينما منصة أخرى تأخذ عمولة أعلى لكنها تجلب متوسط طلب أكبر بكثير، فإن مقارنة النسب وحدها لن تخبرك أيهما أفضل لمطعمك.

الأمر نفسه ينطبق على الخصومات. قد تكون المنصة التي تعرض خصمًا أكبر للعملاء هي التي تجلب عددًا أكبر من الطلبات، لكن هذا لا يعني تلقائيًا أنها تحقق لك أرباحًا أكبر.

لذلك، لا تقارن التطبيقات من خلال العمولة فقط. قارن النتيجة النهائية لكل طلب.

خذ عددًا كافيًا من الطلبات من كل قناة، ثم انظر إلى متوسط قيمة الطلب، وتكلفة الطعام، والخصومات، والعمولات، والتوصيل، وما يبقى بعد ذلك. عندها فقط تستطيع أن تعرف أي قناة تحقق لك قيمة حقيقية.

الخصم قد يزيد المبيعات ويقلل الربح في الوقت نفسه

هذه من أكثر المفارقات التي تواجه المطاعم.

لنفترض أن طبقًا يباع بعشرة دنانير، وتكلفة مكوناته أربعة دنانير. قبل الخصم، لديك ستة دنانير متبقية لتغطية باقي المصاريف وتحقيق الربح.

إذا قدمت خصمًا بقيمة دينارين، أصبح السعر الذي يدفعه العميل ثمانية دنانير، بينما بقيت تكلفة المكونات أربعة دنانير. فجأة أصبح لديك أربعة دنانير فقط بدلًا من ستة.

إذا كان هذا الخصم سببًا في جذب عميل جديد سيطلب منك عدة مرات خلال الأشهر القادمة، فقد يكون القرار منطقيًا. لكن إذا كان العميل سيستخدم الخصم مرة واحدة ثم ينتقل إلى مطعم آخر، فقد تكون دفعت من هامشك مقابل عملية بيع لم تحقق لك قيمة كافية.

لهذا السبب لا يجب أن يكون السؤال: “كم زادت مبيعاتنا بعد الخصم؟”

السؤال الأهم هو: “كم زادت أرباحنا بعد الخصم؟”

قد ترتفع المبيعات بنسبة كبيرة، بينما ينخفض الربح. وفي هذه الحالة تكون الحملة قد نجحت تسويقيًا، لكنها لم تنجح تجاريًا.

المشكلة الأكبر تبدأ عندما يصبح المطعم معتمدًا بالكامل على الطلبات الخارجية

هناك فرق بين استخدام تطبيقات التوصيل كإحدى قنوات البيع، وبين أن تصبح هذه التطبيقات هي الطريقة الوحيدة التي يستطيع العميل من خلالها الوصول إلى مطعمك.

في الحالة الأولى، لديك مجموعة من القنوات ويمكنك مقارنة أدائها وتوزيع اعتمادك بينها. أما في الحالة الثانية، فإن جزءًا كبيرًا من علاقتك مع العميل يصبح خارج سيطرة المطعم.

أنت تعرف أن هناك طلبًا وصل، وربما تعرف قيمة الطلب والمنتجات التي اشتراها العميل، لكن بناء علاقة طويلة الأمد معه يصبح أكثر صعوبة عندما تكون القناة التي تجمعكما مملوكة لطرف آخر.

وهذا مهم لأن قيمة العميل لا تنتهي عند أول طلب.

عميل يطلب منك اليوم بقيمة 20 دينارًا قد يعود الأسبوع القادم، ثم بعد أسبوعين، ثم يصبح عميلًا دائمًا. وإذا كنت قادرًا على بناء علاقة مباشرة معه، تصبح تكلفة الحصول عليه في المرة الأولى أقل أهمية مع مرور الوقت، لأنك تستطيع تحقيق قيمة أكبر من العميل نفسه.

لهذا السبب بدأت المطاعم التي تفكر على المدى الطويل في بناء قنوات طلب مباشرة خاصة بها، سواء من خلال موقع إلكتروني أو تطبيق أو حلول أخرى، بدلًا من الاعتماد على قناة خارجية واحدة.

لكن هناك نقطة مهمة جدًا: وجود موقع خاص لا يعني أن الطلبات ستأتي وحدها.

الموقع هو قناة بيع، وليس آلة لجلب العملاء. يحتاج المطعم إلى تسويقه، ووضعه أمام العملاء، وربطه بحساباته على مواقع التواصل، وتشجيع العملاء الحاليين على استخدامه، والأهم أن تكون تجربة الطلب فيه سهلة وسريعة.

الطلب المباشر قد يكون أكثر من مجرد توفير العمولة

عندما يفكر صاحب مطعم في إنشاء قناة طلب خاصة به، تكون أول فكرة غالبًا هي توفير عمولة التطبيقات. وهذه بالفعل ميزة مهمة، لكنها ليست الفائدة الوحيدة.

القناة المباشرة تعطي المطعم مساحة أكبر للتحكم في تجربة العميل، وطريقة عرض المنتجات، والعروض، والتواصل مع العملاء، والبيانات المتعلقة بالطلبات.

تخيل أن لديك ألف عميل طلبوا من مطعمك خلال الأشهر الماضية. معرفة ماذا طلب هؤلاء العملاء، ومتى يطلبون، وما متوسط إنفاقهم، وما المنتجات التي يفضلونها، يمكن أن تساعدك في اتخاذ قرارات أفضل بكثير من مجرد معرفة أن “المبيعات ارتفعت”.

هذه البيانات يمكن أن تساعدك على اكتشاف أن عملاء الغداء يختلفون عن عملاء العشاء، أو أن منتجًا معينًا يحقق مبيعات قوية في نهاية الأسبوع، أو أن العملاء الذين يشترون منتجًا معينًا يميلون إلى إضافة منتج آخر معه.

وهنا تتحول الطلبات من مجرد عمليات بيع منفصلة إلى مصدر للمعلومات يمكن أن يساعدك في إدارة المطعم نفسه.

تخيل الفرق عندما يكون لديك 100 طلب يوميًا

لنفترض أن مطعمًا يحصل على 100 طلب يوميًا، ومتوسط قيمة الطلب 20 دينارًا. هذا يعني أن المطعم يحقق حوالي ألفي دينار من المبيعات اليومية، أو نحو 60 ألف دينار خلال 30 يومًا.

الآن افترض أن متوسط المساهمة المتبقية من كل طلب بعد التكاليف المباشرة هو أربعة دنانير.

هذا يعني أن هذه الطلبات تساهم بحوالي 400 دينار يوميًا في تغطية المصاريف التشغيلية وتحقيق الربح.

لكن ماذا لو تمكن المطعم من تحسين اقتصاديات الطلب الواحد بحيث يصبح المتوسط خمسة دنانير بدل أربعة؟

لم يزد عدد الطلبات.

لم يرفع الأسعار بالضرورة.

ولم ينفق دينارًا إضافيًا على الإعلانات.

كل ما حدث هو تحسين دينار واحد في اقتصاديات الطلب.

النتيجة هي 100 دينار إضافية يوميًا، أي حوالي 3,000 دينار خلال شهر.

وهنا تظهر أهمية النظر إلى ربحية الطلب الواحد.

أحيانًا تكون فرصة زيادة الأرباح موجودة في الطلبات التي تحصل عليها بالفعل، وليس في البحث المحموم عن طلبات جديدة.

ابدأ بتحليل آخر 100 طلب

إذا أردت معرفة الوضع الحقيقي في مطعمك، لا تحتاج إلى بناء نظام مالي معقد من اليوم الأول.

خذ آخر 100 طلب مثلًا، وحاول أن تعرف قيمة كل طلب والتكاليف المباشرة المرتبطة به. لا تكتفِ بإجمالي المبيعات؛ انظر إلى ما تم خصمه، وما تم دفعه كعمولة، وما كلفه الطعام والتغليف والتوصيل.

بعد ذلك، قارن النتائج بين القنوات المختلفة.

قد تكتشف أن الطلبات القادمة من منصة معينة أكبر قيمة، لكنها أقل ربحية بسبب العمولة والخصومات. وقد تجد أن الطلبات المباشرة أصغر قليلًا، لكنها تترك هامشًا أفضل. وربما تكتشف أن بعض المنتجات التي تحقق مبيعات كبيرة لا تساهم في الربح كما كنت تتوقع.

هذه الأرقام ستعطيك شيئًا أهم من أي نصيحة عامة: ستعطيك صورة حقيقية عن اقتصاديات مطعمك أنت.

كيف تجعل كل طلب أكثر قيمة؟

بعد أن تعرف أين تذهب أموالك، يصبح السؤال التالي: كيف يمكن تحسين ربحية الطلب؟

في كثير من الحالات، لا تحتاج إلى تغيير كبير. قد يكون رفع متوسط قيمة السلة أكثر فاعلية من محاولة الحصول على عدد أكبر من العملاء. عندما يطلب العميل وجبة، يمكن أن تكون هناك فرصة طبيعية لاقتراح إضافة مناسبة أو مشروب أو حلوى أو تحويل الوجبة إلى كومبو.

الفكرة ليست إجبار العميل على شراء شيء إضافي، وإنما تسهيل اكتشاف المنتجات التي قد تناسب طلبه.

كذلك، يجب مراجعة المنتجات ذات الهامش الضعيف. إذا ارتفعت أسعار مكونات طبق معين بشكل كبير خلال الأشهر الماضية، فقد يكون السعر الذي كان مناسبًا سابقًا غير مناسب اليوم.

والأهم من ذلك كله هو تقليل الهدر. كل دينار يتم توفيره من تكلفة الطعام أو الأخطاء أو التغليف أو العمليات غير الضرورية يرفع مساهمة الطلب في الربح دون الحاجة إلى زيادة عدد العملاء.

لا تجعل هدفك التخلص من تطبيقات التوصيل

من السهل أن تتحول الفكرة إلى شعار: “التطبيقات تأخذ عمولة، إذًا يجب أن نتخلص منها.”

لكن هذا التفكير قد يكون مبسطًا أكثر من اللازم.

تطبيقات التوصيل يمكن أن تكون مصدرًا مهمًا للوصول إلى عملاء جدد. المشكلة ليست في وجودها، بل في أن يصبح المطعم معتمدًا عليها بشكل كامل دون أن يعرف تكلفة هذا الاعتماد.

يمكن للمطعم أن يستخدم المنصات الخارجية للوصول إلى عملاء جدد، وفي الوقت نفسه يعمل على بناء قناة مباشرة خاصة به للعملاء الذين يعرفونه ويعودون للطلب منه.

بهذه الطريقة لا يصبح السؤال “أي قناة أستخدم؟”، بل “ما الدور الذي أريد لكل قناة أن تلعبه في عملي؟”

قد تكون إحدى القنوات ممتازة لاكتساب العملاء، بينما تكون قناة أخرى أفضل للاحتفاظ بهم. وقد تكون قناة ثالثة مناسبة للطلبات ذات القيمة العالية.

المهم أن تعرف الأرقام التي تقف خلف كل قرار.

في النهاية: لا تطارد المبيعات، افهم اقتصادياتها

قد يبدو المطعم ناجحًا جدًا عندما ترى مئات الطلبات تدخل يوميًا. لكن عدد الطلبات وحده لا يخبرك إن كان نموذج العمل مربحًا.

الطلب بقيمة 30 دينارًا ليس بالضرورة أفضل من طلب بقيمة 20 دينارًا. والخصم الذي يزيد المبيعات ليس بالضرورة مفيدًا. والمنصة التي تأخذ عمولة أقل ليست بالضرورة القناة الأكثر ربحية.

الفرق الحقيقي يظهر عندما تبدأ بتحليل ما يحدث داخل كل طلب.

كم دفع العميل؟ كم كلفك الطعام؟ كم دفعت للتغليف؟ كم ذهبت للعمولة؟ كم كلفك الخصم والتوصيل؟ وكم بقي بعد ذلك؟

عندما تعرف هذه الأرقام، تستطيع أن تتخذ قرارات أفضل في التسعير والمنيو والعروض والتسويق وقنوات البيع.

وهنا تصبح إدارة الطلبات أونلاين شيئًا أكبر من مجرد استقبال طلبات.

تصبح وسيلة لفهم عملائك، وتحسين عملياتك، وحماية هامش الربح.

وفي النهاية، لا ينبغي أن يكون السؤال الذي يهم صاحب المطعم هو:

“كم طلبًا حصلنا عليه اليوم؟”

بل:

“كم قيمة حقيقية أضافتها هذه الطلبات إلى المطعم؟”

لأن المطعم لا يعيش على المبيعات وحدها.

المطعم يعيش على الأرباح.